ابن كثير

68

البداية والنهاية

المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملا مجلس ظلم وعدوان وعناد ، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية ، والرحمة الربانية ، ألا يجابوا إلى ما سألوا لان الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب * كما قال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . قال : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا ، فقيل له إن شئت أن تستأني بهم ، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم . قال : " لا بل أستأني بهم " فأنزل الله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) [ الاسراء : 59 ] الآية . وهكذا رواه النسائي من حديث جرير ( 1 ) . وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن عمران بن حكيم ، عن ابن عباس . قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : أدع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك ، قال وتفعلوا ؟ قالوا نعم قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة ، قال : " بل التوبة والرحمة " . وهذان إسنادان جيدان ، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد . وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد ، عن القاسم عن ( 2 ) أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عرض علي ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " لفظ أحمد . وقال الترمذي هذا حديث حسن ، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث . وقال محمد بن إسحاق : حدثني شيخ من أهل مصر ( 3 ) - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة عن ابن عباس . قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما : سلوهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وبعض قوله ، وقالا إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . قال فقالت له أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فهو رجل متقول ، فروا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في التفسير ، في السنن الكبرى تحفة الاشراف 4 / 402 . ( 2 ) في الأصل ابن أبي أمامة وهو تحريف ، والصواب ما أثبتناه وهو القاسم بن عبد الرحمن لم يرو إلا عن أبي أمامة من الصحابة . ( 3 ) في السيرة : حدثني بعض أهل العلم . وفي دلائل البيهقي : حدثني رجل من أهل مكة